بيانات صحفية

بعد مرور 8 أشهر على حرب الإبادة الجماعية على غزة، مازال الاحتلال مستمراً في استخدام سياسة التجويع كأداة حرب

    شارك :

6 يونيو 2024

6 يونيو/حزيران 2024

تُحذر مؤسسات حقوق الإنسان الفلسطينية من ارتفاع وتيرة تعرض المدنيين والمدنيات في مدينة غزة وشمالها للمجاعة مجدداً بعد تشديد الحصار عليهما، إضافةً إلى تفاقم أزمة الأمن الغذائي في وسط وجنوب قطاع غزة، لا سيما بعد نزوح نحو مليون نسمة من مدينة رفح إثر أوامر التهجير الإسرائيلية بدءاً من 6 مايو/أيار الماضي.

 وتُؤكد مؤسساتنا، المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، مركز الميزان، ومؤسسة الحق، أن أزمة الجوع في قطاع غزة لم تتوقف ليوم واحد منذ الفترة الأولى للهجوم العسكري الحالي وتصاعدت أزمة الجوع بسبب إغلاق معابر القطاع وتشديد الحصار وتعمد استهداف قوات الاحتلال منظومة الخدمات الحيوية والبلدية والمستشفيات وإضعاف قدرتها على تقديم الرعاية الصحية، وهو ما يمنع مكافحة المجاعة وسوء التغذية، ويزيد حالات الوفاة بسبب الجوع.

وتُشدد مؤسساتنا على أن العمليات العسكرية الإسرائيلية قد قضت على ما تبقى من قدرات محلية من شأنها توفير المنتجات الزراعية أو المواد الغذائية الأساسية بعد استهداف وتدمير المنشآت الصناعية وتجريف مساحات واسعة من الأراضي الزراعية واستهداف قطاع الصيد البحري، ما أدى إلى اعتماد سكان قطاع غزة على المساعدات الخارجية بشكل حصري وأساسي، وهو أمر خاضع كلياً لسيطرة وتحكم دولة الاحتلال التي تتنصل من التزاماتها، وتمنع دخول المساعدات الكافية إلى القطاع، وتشدد الحصار عليه.

وبالرغم من ادعاء الاحتلال خلال شهر مايو/أيار 2024 سماحه بإدخال المساعدات الغذائية عبر عدة معابر بديلة في محاولة للتضليل والالتفاف على قرارات محكمة العدل الدولية ونفي وجود أزمة جوع متصاعدة وخطيرة تهدد سكان القطاع، فإن الواقع يؤكد أن ذلك لم يلب الحد الأدنى من احتياجات السكان سواء في مدينة غزة وشمالها، أو مناطق وسط وجنوب القطاع التي تشدد الحصار عليهما بعد اغلاق المعابر، ولم يتمكن معظم السكان الاستفادة منها نتيجة ضعف قدرتهم الشرائية وغلاء الأسعار مع انعدام مصادر الدخل كلياً، إضافةً إلى صعوبة الحصول على السيولة النقدية؛ بسبب انهيار الوضع الاقتصادي منذ بداية العدوان العسكري الإسرائيلي.

وبحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، دخلت (906) شاحنة فقط خلال الفترة ما بين 7 حتى 23 مايو/أيار تحمل مساعدات إنسانية عبر عدة نقاط إلى قطاع غزة، بينها (143) عبر معبر كرم أبي سالم، و(62) عبر معبر إيرز، و(604) عبر إيرز الغربي، و(97) شاحنة عبر الميناء العائم، وهي كمية قليلة جداً مقارنةً باحتياجات سكان القطاع من الغذاء والدواء، والتي تتطلب أكثر من (600) شاحنة يومياً من المساعدات والسلع التجارية.

ووفق متابعة باحثينا، يُعاني سكان مدينة غزة وشمالها من شحٍ كبير في جميع الأصناف الغذائية، فيما يقتصر المتوفر الآن على كميات الدقيق التي تدخل بهدف استمرار عمل المخابز التجارية، مع عدم توفر أنواع الخضار والفاكهة أو اللحوم والدواجن. وبالتزامن مع العملية العسكرية البرية التي استمرت لمدة 20 يوماً في مخيم جباليا ومشروع بيت لاهيا خلال شهر مايو/أيار 2023، شددت قوات الاحتلال من حصارها على مدينة غزة وشمالها، ولم تسمح بدخول المساعدات الغذائية والأدوية، بالتزامن مع توقف كامل لعمل المستشفيات بعد حصارها في تلك المناطق. 

ورغم أنها وسيلة تسببت بإيقاع (18) قتيلاً من سكان قطاع غزة- وفق مصادر حكومية-، نتيجة التدافع والغرق في البحر للوصول إلى المواد الغذائية، إلا أن توقف عمليات الإنزال الجوي للمساعدات الإنسانية خلال الشهر الأخير في مناطق مدينة غزة وشمالها بشكل كامل، مع استمرارها على نحو منتظم في مناطق جنوب قطاع غزة، يؤكد إصرار دولة الاحتلال على استخدام الجوع كسلاح حرب في حرب الإبادة الجماعية المستمرة على قطاع غزة. 

وبحسب تقرير الطوارئ لوزارة الصحة بتاريخ 3 مايو/أيار 2024، فقد بلغت وفيات سوء التغذية والجفاف (31) حالة، غالبيتهم من الأطفال. سُجِّلَت جميع هذه الحالات داخل المستشفيات القليلة المتبقية في قطاع غزة، وكان آخرها 3 حالات لأطفال توفوا بتاريخ 30 مايو، و1 يونيو، و3 يونيو 2024 على التوالي، اثنان منهم داخل مستشفى شهداء الأقصى بمدينة دير البلح، وهما: الطفل فايز محمد عطايا، 6 أشهر، والطفل عبد القادر فرج السرحي، 13 عاماً، بالإضافة إلى الطفل أحمد رامي أبو ريدة، 10 أعوام، الذي تُوفي داخل خيمة النزوح الخاصة بهم، ليصبح إجمالي الوفيات 34 حالة. وبحسب تقديرات طواقمنا الميدانية، فقد يكون هناك حالات وفاة إضافية بسبب سياسة التجويع وشح الأدوية وانهيار المنظومة الصحية، لكنها لم تتمكن من الوصول إلى المستشفيات بسبب استمرار العدوان على قطاع غزة.

كذلك فقد أُنهِك العاملون في القطاع الصحي نتيجة تعرضهم للجوع مع صعوبة حصولهم على الغذاء والماء، خصوصاً تلك الفرق الطبية التي تواجدت في المستشفيات والمراكز الصحية المتبقية في مدينة غزة وشمالها خلال فترات الحصار المشدد، التي كان آخرها حصار كل من مستشفى العودة ومستشفى كمال عدوان لمدة (13) يوماً دون إمدادات الطعام والدواء، بالتزامن مع المعاناة المركبة التي يعانيها مرضى الحالات المزمنة كالسرطان وأمراض الدم، ومرضى الضغط والسكري والغسيل الكلوي، والمرضى ممن هم بحاجة إلى نظام غذائي خاص لضمان تعافيهم من الإصابات الخطيرة، والعمليات الجراحية، كذلك النساء الحوامل، والنساء اللاتي وضعن حديثًا، والأطفال حديثي الولادة، وجميعهم يعانون من التجويع ولا يحصلون على الحصص الغذائية اللازمة مما يُعيق شفاءهم ويتسبب لهم بأضرار طويلة الأمد.

وبالنظر إلى مختلف التقارير الصادرة عن الهيئات والمنظمات الدولية التي تصف الوضع الحالي للسكان المدنيين في قطاع غزة، فإن قوات الاحتلال تتعمد ارتكاب جريمة التجويع وفقاً لمواد القانون الدولي. فقد أورد تقرير التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي(IPC) ، الذي يضم 15 منظمة إغاثية دولية، بتاريخ 18 مارس/آذار 2024، أن الحد الأقصى لانعدام الأمن الغذائي الحاد للمجاعة قد تم تجاوزه بشكل كبير، وأن أكثر من (70%) من الأسر في مدينة غزة وشمالها ونحو (50%) في وسط وجنوب القطاع يعانون من المرحلة الخامسة وفق مقاييس الجوع المتعارف عليها، وهي نسب قد تزيد بفعل استمرار العدوان على قطاع غزة. وأفاد التقرير أيضاً بأن جميع سكان غزة يواجهون مستويات مختلفة من انعدام الأمن الغذائي، وأن نصف السكان، 1.1 مليون شخص في غزة، يعانون من الجوع الكارثي وتم تصنيفهم ضمن المرحلة الخامسة من التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي. 

وفي أيار، أجرت مجموعة التغذية دراسة استقصائية عن الأغذية، ووجدت أن 85 بالمئة من الأطفال لم يأكلوا طوال اليوم على الأقل مرة واحدة خلال الأيام الثلاثة التي سبقت إجراء المسح، مع تدهور في تنوع الغذاء. ويؤثر الهجوم العسكري الإسرائيلية الحالي في رفح بشكل مباشر على قدرة وكالات الإغاثة على جلب الإمدادات الإنسانية الحيوية إلى غزة وكذلك على القدرة على تناوب الطاقم الإنساني الأساسي. ووفق الأونروا، ففي الفترة ما بين 28 أيار وحتى 1 حزيران، لم تدخل سوى 232 شاحنة محملة بالمساعدات الإنسانية عبر معبر كرم أبو سالم، ما يمثل انخفاضا كبيرا في المساعدات التي كانت تدخل قبل ذلك. علمًا أن غالبية المساعدات عبارة عن دقيق القمح وبعض مواد غذائية وأحيانا هي فقط دقيق قمح.

وأكدت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف)، يوم الخميس، 6 يونيو/حزيران 2024، أن تسعة من كل 10 أطفال في غزة يعانون من فقر غذائي حاد ولا يستطيعون الحصول على العناصر الغذائية كافية لضمان نموهم وتطورهم بشكل صحي.

وترى مؤسساتنا أن قوات الاحتلال تنتهج في هجومها العسكري المستمر حالياً على قطاع غزة سياسة العقاب الجماعي، والتي لم تَحِد عنها سابقاً خلال عملياتها العسكرية والعدوانية على قطاع غزة، المحاصرة منذ ما يزيد عن 17 عاماً. فهي تُصر دائماً على انتهاك القوانين الدولية دون أي رادع، وأهمها اتفاقية جنيف الرابعة خاصة موادها (33) - (55) - (59) وكذلك المادة (27) التي تُلزم سلطات الاحتلال بأن لا تتخذ من منع المواد الغذائية والمياه والمستلزمات الطبية بأي حالٍ من الأحوال شكلا من أشكال العقاب الجماعي ضد المدنيين والمدنيات، وهو ما يعني حظر استخدام التجويع كأداة حرب، كذلك حظر القانون الدولي إتلاف المواد الضرورية التي لا يستغني عنها السكان في المناطق المحتلة.

وتُصنف هذه الانتهاكات ضمن جرائم الحرب بحق الإنسانية التي تندرج تحت ميثاق روما المؤسس للمحكمة الجنائية الدولية، وتشملها المسؤولية الجنائية الفردية للتحقيق والمحاكمة. ومع توفر العناصر الأربع للجريمة الجنائية وفق ميثاق روما الأساسي، وهي الفعل والنية والسياق والوعي بالسياق، فإن دولة الاحتلال تتنصل بشكل واضح وخطير من الامتثال لقرارات المحكمة الجنائية الدولية، والتي تلزمها بضرورة اتخاذ تدابير كافية من شأنها عدم ارتكاب جريمة إبادة جماعية، بالإضافة إلى عدم الانصياع لقرار المحكمة الأخير بإيقاف الهجوم البري على مدينة رفح الذي فاقم من الأزمة الإنسانية في مناطق جنوب القطاع

وفي ضوء استمرار جريمة الإبادة الجماعية التي ترتكبها دولة إسرائيل بحق 2.2 مليون فلسطيني في قطاع غزة، من خلال سياسة العقاب الجماعي المتمثلة بالتجويع والتعطيش ودفعهم إلى النزوح المتكرر بعيداً عن أماكن سكناهم في ظروف تفتقر لأبسط حقوق الإنسان، فإن مؤسسات حقوق الإنسان الفلسطينية:

·      تطالب المجتمع الدولي إجبار إسرائيل على وقف جريمة الإبادة الجماعية، وفرض وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وإلزامها بالامتثال لقرارات محكمة العدل الدولية التي فرضت تدابير مؤقتة لمنع ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية. كما نطالب الدول الأطراف الثالثة بالالتزام بمسؤوليتها القانونية لوضع حد لحصانة دولة الاحتلال وذلك من خلال وقف تزويد إسرائيل بالسلاح والذخيرة، ومحاسبة مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجريمة الابادة الجماعية.

·      تدعو الأطراف السامية المتعاقدة إلى إجبار دولة إسرائيل بصفتها قوة احتلال بالوفاء بكامل التزاماتها وفق المواد (55) (56) من اتفاقية جنيف الرابعة، إضافة إلى الضغط على دولة الاحتلال لفتح معبر رفح البري، وتوفير المزيد من المعابر الإنسانية لتسهيل عمل المنظمات الإنسانية الدولية في إيصال الكميات المطلوبة من الأغذية والأدوية للسكان في قطاع غزة، وخصوصاً مدينة غزة وشمالها.

·     ونطالب المجتمع الدولي ومؤسسات الأمم المتحدة كافة إلى بذل المزيد من الجهد في توفير المساعدات الغذائية والدوائية، وكذلك المياه الصالحة للشرب في ظل تعطل أنظمة الخدمات الحكومية والبلدية مع استمرار العدوان العسكري منذ 7 أكتوبر/تشرين أول الماضي.