مركز الميزان لحقوق الإنسان
شريط الأحداث

ورقة موقف

ورقة موقف: مركز الميزان يؤكد قانونية الإضراب ويطالب الحكومة الفلسطينية والمضربين بالتفاوض لحل الأزمة

04-09-2006 00:00

تشهد الأراضي الفلسطينية المحتلة إضرابا مفتوحا عن العمل بعد أن قررت اتحادات ونقابات الوظيفة العمومية الإعلان عن هذا الإضراب المفتوح، نتيجة عدم تلقي الموظفين العموميين رواتبهم منذ خمسة شهور متواصلة باستثناء بعض السلف، التي دفعت على مراحل متفرقة.

وقد أثار الإعلان عن الإضراب ردود فعل متباينة بين الفلسطينيين سواء على صعيد الحكومة والمعارضة أو على صعيد الشارع الفلسطيني. ونظراً لأن الإضراب يتعلق بالمرافق والخدمات العامة التي تؤثر بشكل مباشر على حقوق الإنسان، فان مركز الميزان لحقوق الإنسان يحاول من خلال هذه الورقة الإسهام في الجدل القائم حول قانونية ومشروعية الإضراب، وسبل تجاوز الأزمة، وذلك كجزء من رسالته المجتمعية.

يذكر أن الأراضي الفلسطينية المحتلة تمر بأوضاع بالغة القسوة لم تشهد لها مثيل، على الأقل منذ تأسيس السلطة الوطنية الفلسطينية عام 1994، هذا على الرغم من مرورها بفترات صعبة وبنسب متفاوتة. أعقبت فوز حركة حماس بأغلبية مقاعد المجلس التشريعي، في الانتخابات التشريعية، التي جرت بتاريخ 25/1/2006 وتشكيلها الحكومة الفلسطينية بعد تكليف من رئيس السلطة السيد محمود عباس ومنحها الثقة من المجلس التشريعي بتاريخ 28/3/2006 قررت الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية وقف المساعدات المقدمة للسلطة الفلسطينية، الأمر الذي سبقه قرار سلطات الاحتلال الإسرائيلي بحجز أموال المقاصة والضرائب التي تجبيها من الفلسطينيين وتقوم بتحويلها لصالح السلطة الفلسطينية بموجب الاتفاقيات الموقعة بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية.

إن الحصار الإسرائيلي المشدد المفروض على الفلسطينيين، خلق واقعاً اقتصادياً واجتماعياً بالغ الصعوبة، أدى إلى عدم قدرة الحكومة على تقديم موازنتها العامة للمجلس التشريعي الفلسطيني لإقرارها، وبالتالي عدم قدرتها على دفع رواتب موظفي القطاع العام.

هذا في الوقت التي تأثرت فيه كافة مناحي حياة الفلسطينيين ومس الأمر بشكل جوهري كافة حقوق الإنسان، حيث انعكس ذلك على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، وبالتالي الأمني، إذ يمر الفلسطينيون في قطاع غزة بمرحلة هي الأسوأ، حيث يشهد القطاع ركوداً اقتصادياً حاداً وزيادة في نسبتي البطالة والفقر، بحيث وصل معدل الفقر الى 40%، ومعدل البطالة الى 78%، وفقاً لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشئون الانسانية (OCHA)، هذا بالإضافة إلى ارتفاع في نسبة الإعالة، في الوقت الذي تشهد فيه الراضي الفلسطينية المحتلة تدهوراً في حالة سيادة القانون وتصاعداً لظاهرة الفلتان الأمني.

وبالرغم من محاولات السلطة الفلسطينية - ممثلة بالرئيس محمود عباس وبالحكومة برئاسة إسماعيل هنية - والجهود الكبيرة التي بذلتها من أجل توفير الأموال اللازمة لتسيير عمل الوزارات بالشكل المطلوب إلا أنها لم تتمكن - في الحد الأدنى - من توفير رواتب موظفيها، ناهيك عن الاحتياجات العديدة الأخرى، كخلق فرص عمل جديدة، وتقديم خدمات التعليم والصحة والسكن والشئون الاجتماعية، وتقديم المساعدات لعائلات الأسرى والشهداء بالشكل المناسب.

وفي ظل هذه الأوضاع الصعبة بدأت تظهر نوايا اللجوء إلى الإضراب في أوساط الموظفين والنقابات، وبدأت بعض فئات المجتمع المتضررة من تردي الأوضاع الاقتصادية في حركة إضرابات جزئية واعتصامات، حيث أعلن جزء كبيراً من العاملين في القطاع الصحي الإضراب، في بعض مستشفيات الضفة الغربية، مطالبين بتوفير مستحقاتهم المالية.

وبناءً على قرار اللجنة المطلبية أعلن الاتحاد العام للمعلمين الفلسطينيين الإضراب المفتوح عن العمل، ليبدأ منذ السبت الموافق 2/9/2006، وهو اليوم الأول لافتتاح العام الدراسي الجديد، مما خلق نوعاً من الجدل حول مشروعيته وتوقيته ومدى مسؤولية الحكومة عن عدم صرف رواتب الموظفين.

يشار إلى أن المشرع الفلسطيني قد أكد على الحق في التشكيل النقابي والإضراب، حيث تنص الفقرتان الثالثة والرابعة من المادة (25) من القانون المعدل للقانون الأساسي على أن " التنظيم النقابي حق ينظم القانون أحكامه." وأن "الحق في الإضراب يمارس في حدود القانون."

عليه، فإن تكتل مجموعة من العمال في إطار محدد وامتناعهم عن العمل امتناعا إرادياً مدبراً، لتحقيق أهداف مهنية يشكل حقاً دستورياً كفلة القانون الأساسي الفلسطيني، إلا أن ممارسة الحق في الإضراب يستوجب اتخاذ كافة التدابير الخاصة بإشعار الحكومة عن نية الإضراب لضمان إجراء تفاوض قد يؤدي إلي إلغاء فكرة الإضراب. كما ينبغي ممارسة هذا الحق بشكل سلمي وعدم مصاحبته لأعمال عنف أو أخطاء جسيمة من قبل الموظفين.

وإن توفير الضمانات الأساسية لحرية العمل النقابي، تستوجب تشريعاً وطنياً يضمن إعمال كافة الحقوق النقابية، ويوجب على الحكومة اتخاذ الخطوات والإجراءات اللازمة لوضع أحكامها موضع التنفيذ العملي، الأمر الذي يحقق حالة من الاستقرار والأمن الوظيفي أو الصناعي.

وفي الوقت الذي كفل فيه المشّرع الفلسطيني الحق في الإضراب والتشكيل النقابي، فإنه قد ترك فراغاً تشريعياً في تنظيم أحكام الإضراب، حيث لم يصدر قانون يأتي على ذكر إجراءات الإضراب وأحكام الامتناع عن العمل والعلاقة بين الحكومة والمضربين. كما استمر في إنفاذ القرار الإداري رقم 331 لسنة 1954 المتعلق بالتشكيل النقابي، والذي يشكل في حقيقته جزء من فترة سابقة على تأسيس السلطة الوطنية الفلسطينية، ولا يعتبر أساساً يمكن الاستناد إليه لممارسة الحقوق الدستورية.

وإن الإدعاء بعدم مشروعية ممارسة الإضراب لعدم وجود تشريع ينظم إجراءاته، إنما إدعاء في غير محله ويحتاج إلي نظر، لأن ممارسة الإضراب مكفولة دستورياً ولا يجوز حظر الحق الدستوري لوجود الفراغ التشريعي، أو اللجوء إلى أساليب التشكيك في وطنية المضربين.

مركز الميزان لحقوق الإنسان إذ يحذر من مغبة تكرار حالات العنف المتبادل، سواء لإنهاء الإضراب، أو لإجبار غير المضربين على الالتزام بالإضراب، فإنه يؤكد على أهمية النظر إلى هذا الإضراب في إطاره القانوني، والامتناع عن تسييسه، لأن في ذلك إذكاءً لحالة الاستقطاب الحاد التي يشهدها المجتمع الفلسطيني، وتنذر بتصعيد حالة الفلتان الأمني.

وفي الوقت الذي يؤكد فيه المركز على مشروعية وقانونية الإضراب العام المعلن، فإنه يشدد على أهمية حماية الحق في المفاوضة الجماعية وضرورة أن تلجأ الحكومة إلى مفاوضة ممثلي الفئات التي أعلنت الإضراب للبحث في سبل إنهائه بما يحقق غاية الطرفين.

هذا ويطالب المركز الحكومة الفلسطينية بالبحث في السبل الديمقراطية لإنهاء هذه الأزمة، والابتعاد عن النظرة الإقصائية، والاستعاضة عنها بالبحث في مطالب المضربين ومفاوضتهم جماعياً، لأنه السبيل الديمقراطي القادر على إنهاء الأزمة ووضعها في إطارها الصحيح.

انتهى

هذا الموضوع يتحدث عن / #strik