مركز الميزان لحقوق الإنسان
شريط الأحداث

تقارير و دراسات

قراءة قانونية حول التعميم القضائي رقم (01/2021م) بخصوص المنع من السفر

16-02-2021

مركز الميزان لحقوق الإنسان أعد قراءة قانونية حول التعميم القضائي رقم (01/2021م) بخصوص منع السفر. وهو تعميم انطوى على مخالفات جسيمة للقانون الفلسطيني ولا سيما انتهاكه للحقوق والحريات التي يحميها القانون الأساسي وهو بمثابة الدستور المؤقت لدولة فلسطين. وتستند قراءة المركز إلى المعايير القانونية الوطنية والدولية التي كفلت الحق في حرية الحركة والتنقل على أساسٍ من المساواة وعدم التمييز، وحددت الإطار القانوني لأهلية التصرف ومنحت الأشخاص من كلا الجنسين حرية ممارسة الحقوق والحريات العامة في حدود القانون.

ويستعرض المركز أبرز ما ورد في القراءة القانونية على النحو الآتي:

 

أولاً/ مضمون التعميم:

  • أصدر المجلس الأعلى للقضاء الشرعي بتاريخ 14/2/2021م تعميم قضائي مكون من (5) مواد، حيث أجازت المادة (3) منه لأحد الأبوين والجد لأب منع الولد الذي تجاوز الثامنة عشرة سنة ميلادية من السفر، إذا كان يترتب على سفره ضرر محض بإقامة دعوى قضائية لدى المحكمة المختصة.
  • منعت المادة (4) من التعميم، سفر الأنثى غير المتزوجة بكراً كانت أو ثيباً دون الحصول على إذن من وليها العاصب، ولوليها أن يمنعها من السفر، إذا كان في سفرها ضرر محض، أو وجدت دعوى قضائية بينهما تستلزم المنع من السفر على أن تتبع الإجراءات المنصوص عليها في التعميم القضائي رقم 1/2020م الصادر بتاريخ 30/1/2020م.
  • تضمن التعميم تضارباً في التواريخ، حيث ورد في ديباجة التعميم أنه جاء بناء على اجتهاد المحكمة العليا الشرعية في جلستها المنعقدة بتاريخ 14/2/2021م، بينما ورد في خاتمة التعميم -المادة (5)- "يُعمل به اعتباراً من تاريخ 14/2/2020م". كما أن تحرير التعميم جاء بتاريخ 10/2/2021م وهو سابق لموعد انعقاد الجلسة التي تم إقرار التعميم فيها.

 

ثانياً/ الأسانيد القانونية الوطنية والدولية:

  • كفلت المادة (9) من القانون الأساسي الفلسطيني المعدل لسنة 2003م وتعديلاته، الحق في المساواة، حيث نصت على أن: "الفلسطينيون أمام القانون والقضاء سواء لا تمييز بينهم بسبب العرق أو الجنس أو اللون أو الدين أو الرأي السياسي أو الإعاقة".
  • كفلت المادة (20) من القانون الأساسي الفلسطيني، الحق في حرية الحركة والتنقل، حيث نصت على أن: "حرية الإقامة والتنقل مكفولة في حدود القانون".
  • حدت المادة (53) من القانون المدني رقم (4) لسنة 2012م المطبق في قطاع غزة، الأهلية القانونية حيث نصت الفقرة (1) منها على أن: "كل شخص بلغ سن الرشد متمتعاً بقواه العقلية، ولم يحجر عليه يكون كامل الأهلية لمباشرة حقوقه المدنية."، كما نصت الفقرة (2) من المادة نفسها على أن: "سن الرشد ثماني عشر سنة ميلادية كاملة".
  • كفلت المادة (12) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي انضمت إليه دولة فلسطين في العام 2014م، الحق في حرية الحركة والتنقل، معطوفة على المادة (26) من ذات العهد التي تكفل المساواة في التمتع بالحقوق.
  • تضمنت اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) التي انضمت إليها دولة فلسطين في العام 2014م، جملة من قواعد الحماية الخاصة بمنع التمييز القائم على الجنس في التمتع بالحقوق خاصة المواد (1) و(2).

 

ثالثاً/ المعالجة القانونية:

  • مخالفة القانون الأساسي (الدستور المؤقت):

خالف التعميم في المادتين الثالثة والرابعة منه القانون الأساسي المعدل، ولاسيما المادة (20) منه والتي تكفل الحق في حرية الحركة والتنقل، كما خالفت المادة الرابعة من التعميم والقاضية "بمنع سفر الأنثى غير المتزوجة بكراً كانت أو ثيباً دون الحصول على إذن من وليها العاصب، ولوليها أن يمنعها من السفر إذا كان في سفرها ضرر محض أو وجدت دعوى قضائية" المادة (9) التي تنص على أن: "الفلسطينيون أمام القانون والقضاء سواء لا تمييز بينهم بسبب العرق أو الجنس أو اللون أو الدين أو الرأي السياسي أو الإعاقة" وعليه فإن منع الأنثى البالغ غير المتزوجة من السفر ينطوي على تمييز خطير بين الجنسين، وبالتالي فإن القرار يخالف الدستور، ويعتبر الدستور هو الحاكم للتشريعات والقوانين وما هو في حكمها وكل قرار أو تشريع يعارض نص دستوري يمسه عوار في دستوريته .

 

  • مخالفة القوانين النافذة:

تتعارض المادة الثالثة من التعميم المذكور مع المادة (53) من القانون المدني، التي منحت الأهلية الكاملة لمن بلغ سن الرشد (18 عاماً) بمباشرة حقوقه المدنية، بما فيها الحق في حرية الحركة والتنقل، بينما تجيز المادة الثالثة لأحد الابوين والجد لأب منع الولد الذي تجاوز الثامنة عشر من السفر، وعليه فإن المادة الثالثة من التعميم تشكل مخالفة صريحة للقانون وتنتقص من أهلية البالغين وتفرض قيود على مباشرة حقهم في حرية الحركة والتنقل.

 

ج- انعدام الاختصاص:

بمراجعة جهة إصدار التعميم نجد أنها المجلس الأعلى للقضاء الشرعي، وفي هذا تجاوز لاختصاصاته المنصوص عليها في قانون القضاء الشرعي رقم (3) لسنة 2011، ولاسيما لنص المادة (8) والتي حددت على سبيل الحصر صلاحيات واختصاص المجلس في" الاشراف على سير العمل في المحاكم الشرعية، وعلى القضاة الشرعيين العاملين فيها"، ولم يرد من بينها صلاحية إصدار قوانين أو تعليمات قانونية، بناء على اجتهاد، ونشرها وتطبيقها على العموم، الامر الذي يعتبر إصدار أوامر وتعليمات من غير صاحب اختصاص وغصب للسلطة التشريعية.

 

د. غياب وضوح وانضباط الأوصاف القانونية:

استندت المادة الثالثة على سبب "الضرر المحض" لإمكانية قيام أحد الأبوين والجد لأب برفع دعوى قضائية لمنع الولد من السفر، الأمر الذي يتعارض مع قاعدة انضباط الأوصاف القانونية باعتبار -الضرر المحض- مصطلح فضفاض وقابل للتأويل، وقد يفضي إلى التعسف في استخدام الحق من قبل الأب والجد، ويمنح المحكمة المختصة سلطة تقديرية واسعة، تتجاوز تخوم صلاحياتها، ويجعلها تتدخل في حرية التنقل التي كفلها المشرع بموجب المادة (20) من القانون الأساسي.

 

 

 

ه.  مخالفة المعايير الدولية لحقوق الإنسان:

تتعارض المادتان الثالثة والرابعة من التعميم مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان، التي كفلت الحق في حرية الحركة والتنقل وحظرت التمييز على أساس الجنس، خاصة العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، واتفاقية مناهضة كافة أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو)، التي انضمت إليهما دولة فلسطين بدون تحفظات، مما رتب على ذلك التزامات دولية واستحقاقات على المستوى التشريعي، والتي لم يبدي لها التعميم أي وزن أو اعتبار.

إن قرار المنع من السفر أو تقييده، وفقا لما ورد في التعميم، يمس بحق أصيل من الحقوق التي كفلها القانون الوطني والدولي، وأحاطه المشرع الفلسطيني بضمانات واسعه، وحدد الموجبات الضرورية والتي يوضع فيها قيد، وحصرها في أضيق الحدود وهي تتعلق بالجرائم والالتزامات المالية، مع إمكانية التظلم للمتضرر أمام القضاء الإداري.

وعليه فإن مركز الميزان لحقوق الإنسان يطالب بإلغاء التعميم وسحبه، احتراماً للدستور والقوانين الوطنية النافذة، لمخالفته المعايير والضمانات المكفولة بموجب النظام القانوني الفلسطيني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، حمايةً للحقوق والحريات العامة التي قررها القانون لكلا الجنسين وعلى أساسٍ من المساواة وعدم التمييز، وكونه يمس بمكانة المرأة المتساوية كإنسان مع الرجل، ويضعها في مكانة دونية ويعود بها إلى عصور ماضوية لا يستقيم القياس عليها في القرن الحادي والعشرين.

 

انتهى

 

هذا الموضوع يتحدث عن / #civil and political #movement

ملفات و روابط مرفقة :